اسد حيدر

36

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

تصرفا إداريا لا يختلف بشيء عن بقية إرادات الحكام ، ولكنه تضمّن أفكار المعتزلة وآراءها ، مما أساء إلى أهدافهم الأخرى التي تتصل بالعقل وحرية الفكر . أما تنزيه اللّه سبحانه وتعالى عن الصفات التي يتصف بها المخلوقون ، فالقرآن عندهم مخلوق وليس بقديم ، فاللّه وحده قديم ، وما ورد في القرآن هو كلام اللّه ، ولكن عندهم أن الكلام لا يمكن أن يكون صفة للّه تعالى هي ذاته كالعلم والقدرة ، وأنكروا أن تكون الصفات أشياء وذواتا قديمة قائمة وراء الذات ، لأن هذا يؤدي إلى تعدد القدماء ، لذا فإن الذات والصفات شيء واحد . ويردّ الفلاسفة أن ذلك بعيد من المعارف ، بل يظن أنه مضادّ لها ، وذلك أن العلم يجب أن يكون غير العالم ، وإنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم إلا إذا جاز أن يكون أحد المتضايفين قرينة مثل أن يكون الأب والابن معنى واحدا بعينه « 1 » بالنسبة لعقيدة الثالوث . وأدت السياسة إلى أن يكون ذلك مثار فتنة شملت أيام المأمون والمعتصم والواثق ، وحصلت من ورائها فرقة وتباعد ، ووصل الأمر إلى أن من يذهب إلى قدم القرآن يكفّر من يقول بأنه مخلوق ، وذلك في عهد المتوكل ، حيث ارتد عن تلك السياسة إلى منحى آخر ، بعد أن كان بعض القضاة يسأل الشاهد عن هذه القضية ، فإن أقر بأنه مخلوق قبلت شهادته وإلا ردّها « 2 » . ثم أفتى - بعضهم وبتأثير السلطة - بوجوب قتل من يقول بخلق القرآن ، وبديهي أن هذا المفتي لم يستند بفتواه إلى دليل عقلي أو نقلي ، بل كان مستندا إلى أمر تافه ، وذلك أنه عندما سئل عن دليل هذه الفتوى أجاب : أن رجلا رأى من منامه إبليس قد اجتاز بباب المدينة ولم يدخلها ، فقيل لم لم تدخلها ؟ قال إبليس : أغناني عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن « 3 » . ونظير هذا ما حدثنا به التاريخ عن المهدي العباسي عندما دخل عليه شريك بن عبد اللّه القاضي ، فلما رآه المهدي ، قال : عليّ بالسيف والنطع . قال شريك : ولم يا أمير المؤمنين ؟ قال : رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي ، وأنت معرض عني ، وقصصت رؤياي على من عبّرها فقال : إنه يظهر لك طاعة ، ويضمر لك معصية ما .

--> ( 1 ) ابن رشد ، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة ص 84 - 85 . ( 2 ) الكندي ، كتاب القضاة ص 447 . ( 3 ) الإعتصام للشاطبي ج 1 ص 262 .